ألقى د. محمد ياسين صبيح , هذه القراءة النقدية في اليوم الثاني للملتقى الأول للقصة القصيرة جداً , والذي أقيم في طرطوس - سوريا , للفترة من 9 - 11 آيار الحالي , وكانت بعنوان " إشكالية البناء والتكثيف في القصة القصيرة جداً"
يعتبر التكثيف من التقنيات أو العناصر المهمة (حسب رؤية بعض النقاد) في بناء القصة القصيرة جداً، الذي يحقق شرطاً مهماً للقص القصير جداً، حيث تكمن وظيفته بالمعنى الأدبي في تذويب الكثير من العناصر والمكونات في جمل تحمل طاقة تأويلية كبيرة من خلال تكثيف السرد والجمل، واستخدام تقنية الحذف، مستخدمين علامات الترقيم للدلالة على ذلك، فقد يقوم الكاتب بحذف بعض كلمات الجملة، وهنا يكون على المتلقي شحذ ذهنه وأخذ دلالاته، من خلال إكمال الحالة السردية أو المقصدية التي يتوقعها من الكاتب، وبذلك تكون العلاقة بين الكاتب والمتلقي علاقة متينة، يحترم فيها الكاتب ذهن المتلقي ويشركه بتأويلاته، وتفكيره، وهذه برأيي من المميزات المهمة التي تجعل المتلقي عنصرا هاما في العملية الإبداعية، من خلال إعطائه هامشا كبيراً من الحرية في أخذ تحليلاته وتأويلاته، دون توجيه مباشر وفاضح من الكاتب.. كما يسهم في متانة الجسد السردي للقصة ق ج أيضاً، فالتكثيف يعني الاقتصاد باستخدام الأفعال وأدوات الربط، واستعمال أفعال الحركة قدر الإمكان وتجنب استعمال الصفات والظروف إلا ما كان ضروريا لتطوير الحدث أو بناء الشخصية، والاعتماد على الجمل القصيرة، والتقليل من استخدام حروف الربط. من هنا يمكننا أن نقول أن التكثيف لا يعني اختصاراً للجمل والأحداث فقط، إنما تكثيفاً دلالياً للجمل والكلمات، وإعطاءها طاقة داخلية مختزنة، قادرة على التوهج والتمدد دلالياً وحكائياً، يستخدم فيها الكاتب تقنيات مختلفة مثل الإضمار والحذف وغير ذلك..
فالاختصار هو تلخيص للقصة القصيرة أو الحدث، وقد يتضمن إسهاباً جزئياً في الوصف أو السرد، أو أية مواصفات أخرى، لذلك فإن وجوده لا يعني أننا نكتب قصة قصيرة جداً، بل قصيرة مختصرة، بينما التكثيف هو انتقاء جمل وكلمات تحوي مدلولات كبيرة، وإيحاءً مضمّراً يختزن الكثير من المدلولات..
إذن يجب أن يكون التكثيف وسيلة وليس هدفاً، وخاصية تتضمن جمالية على النص تحقيقها، كما هي حاجة بنيوية ليستوي مفهوم القصة ق ج، وذلك بالتقليل من الوصف الزائد والشرح غير المبرر، دون أن يقلل ذلك من وظيفة السرد، وهو الذي يختزن طاقة إبداعية سردية كبيرة، في كلمات وجمل قليلة، مشبعة بالتأويل والرمزية، فالمحافظة على متانة السرد، وعلى المواصفات التي ذكرناها واستغلال الفراغات اللغوية، يعطي القصة ق ج، أهمية وشرعية وبلاغة في المعنى والفكرة. ووسيلة تبرز مقدرة الكاتب على الإبداع وعلى إتقان هذا النوع من الأدب. بالتالي يجب أن ندرك حقيقة أن التكثيف يتجلى بإعادة صياغة مكثفة، خالية من الإسهاب في الوصف ومن الحشو السردي، ومليئة بالجمل الإيحائية، كما يتجلى بالابتعاد عن مقدمات مثل (ذات يوم، في أحد الأيام... الخ...) إلا إذا استخدمت بضرورات التكثيف، إلى ذلك من الجمل المشابهة، فهذه قد تنتمي إلى الرواية أو القصة القصيرة فقط. كما أن استخدام أفعال الحركة، وإدخال الحوار والإقلال من أدوات الربط يساهم في الاقتصاد في استخدام الجمل والكلمات، ويعطي مقدرة على الإيحاءات الدلالية للحدث وللشخصية.
وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة الابتعاد عن الهيمنة الإيديولوجية، التي قد تصنع منها نتاجاً متسلسلاً مملاً، يكرر نفسه، ويلغي إمكانية الحوار ويقيدها إلى أطر سياسية لا تنتمي إلى لغة الإبداع، ولا ننسى أيضا المقدرة على استخدام الخيال، فالقدرة التخيلية هنا تساعد على ابتكار أدوات وأفكار جديدة.
-النهاية والمفارقة المدهشة
يجب أن لا يفضح الجسد السردي للقصة القصيرة جداً الحدث مباشرة، وخاصة في بداية القصة لأنه بذلك يفقدها عنصرا التشويق الهام، لذلك نجد أن استخدام السرد المليء بالإيحائية والرمزية المشبعة بدلالات مهمة لينتهي إلى الخاتمة التي تتصف بمفارقة ودهشة، يعطي القصة عمق دلالي أشمل، حيث تعتبر المفارقة من العناصر المهمة جداً في القصة القصيرة جداً، فهي تأخذ مسار القصة إلى اتجاهات مغايرة لمسار الجسد القصصي، لتحقق المفاجأة، أو الغرابة أيضا، لذلك قد نجد التضاد أحد الوسائل المهمة التي نتبعها في الخاتمة، كما يجب أن تحقق الخاتمة الإثارة والتشويق، وأن تكون كخلاصة موازنة ومقارنة بين حالتين، تقدمان في تضاد معين، لكي نخلق التشويق والتحفيز من أجل استنباط الدلالات المناسبة، وتحقيق الدهشة المطلوبة لدى المتلقي. فهي لحظة حرجة تكمن فيها كل الانتظارات والتأويلات، كشلال يتدفق فجأة إلى بحيرة واسعة جداً..
كما أن الإيحاء في القصة القصيرة جداً، يعطي السرد قيمة قصصية، ويزيد من القيمة الإبداعية للقصة ، لأنه يعطي مؤشراً كبيراً على مدى تملك الكاتب لأدواته الإبداعية، ومدى قدرته على إيصال الفكرة بالتعاون مع المتلقي، من خلال احترام ثقافته وإشراكه في التأويل، لذلك لا بد من أخذها بعين الاعتبار كتقنية ضرورية، حتى لا يقع الكاتب في فخ المباشرة والتقريرية، وكذلك بالنسبة إلى العنوان، الذي يعتبر العتبة الأولى للدخول إلى الجسد الحكائي للقصة، فإيحائيتُه ورمزيته، ضرورية لإشغال ذهن المتلقي، بالآتي من السرد، وإعطائه جرعة من التشويق الضروري للقص..
7- بعض المعوقات في القصة القصيرة جداً
يستطيع هذا الجنس الأدبي الجديد ( ق ق ج) إعطاء معاني وصورا مدهشة، ضمن تكثيف عالي وبجمل وأفعال قليلة جداً لذلك وبناءً على ما ذكرنا أنفاً نؤكد هنا على ضرورة تجاوز بعض المعوقات التي تسبب ابتعاد الكاتب عن روحية وانسياب القصة القصيرة جداً وعن مقوماتها الأساسية
لذلك يجب الابتعاد عن:
-الإسهاب في الوصف والشرح الزائد، والاسترسال في القص، بل الاعتماد على التركيز على الفعل أو الحدث بتكثيف كبير..
-المباشرة الفاضحة بمختلف أشكالها (سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.. الخ...)، لأن ذلك يفقدها جمالية التأويل والترميز التي يعطي للقارئ حق استنباط الفكرة وجماليتها، دون الدخول في الغموض المدقع في رمزيته..
- الإنشائية والوصف الزائد للشخصيات، لأن ذلك سيكون على حساب الحدث القصصي والحكائي، وهذه التقنية تصلح للقصة القصيرة أو الرواية..
-عدم وجود فكرة وهدف، لأن كل حدث قصصي أو حكائي يجب أن يكون له فكرة ما، أو هدف ما، وكما ذكرنا سابقاً بشرط أن لا ندخل في المباشرة والتقريرية..
- أسلوب الطرفة، أو الأمثال الشعبية، فهذه ليست لها هدف أدبي بل قد تكون سخرية من شخص ما، أو مهنة ما، وقد يكون هدفها الإضحاك فقط..
- الأسلوب التعليمي أو الموعظة، لأن مكان هذا النوع هو الخطابات الإرشادية، أو المدارس بمختلف مستوياتها، وهذا يُفقد القصة أهم مقوماتها وهو وجود حبكة وحكائية قصصية ذات بعد فكري وأدبي..
-عدم وجود خاتمة أو مفارقة تحتوي مفاجأة ودهشة ما، لأن ذلك يكمل تماماً البعد القصصي والحدث وفكرة النص..
-عدم فضح السرد منذ البداية للمضمون، بل يستمر السرد إيحائياً فقط.
-الابتعاد عن الشاعرية المفرطة، لأننا بذلك نخلط بين قصيدة النثر وبين القصة ق ج، ولا بأس من إضفاء بعض الشاعرية التي تعطي النص بعداً جمالياً مناسباً..
لذلك نعتبر أن جسد القصة ق ج قصيراً وقادراً على التمدد والتقلص عند الحاجة، والمطلوب أن نعرف مقاس ما نريد الباسه لها. وذلك باختيار الأفعال والجمل المناسبة مع علامات الترقيم المناسبة أيضاً.
قد تتكرر المواضيع في القصة القصيرة وهذا لا يخفف من قيمة الفكرة، لأن العبرة تكمن في ابتكار طريقة مختلفة للتحدث عنها بلغة السرد القصير جداً، أو النظر إليها من زاوية جديدة لم نشهدها من قبل، فشواطئ النهر تختلف جماليتها حسب زوايا النظر إليها.
هاشتاغ:
أدب وفنون
